محمد بن جرير الطبري

80

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

في الأمور بآرائكم ويقبل منكم ما تقولون له فيطيعكم لَعَنِتُّمْ يقول : لنا لكم عنت ، يعني الشدة والمشقة في كثير من الأمور بطاعته إياكم لو أطاعكم لأنه كان يخطئ في أفعاله كما لو قبل من الوليد بن عقبة قوله في بني المصطلق : إنهم قد ارتدوا ، ومنعوا الصدقة ، وجمعوا الجموع لغزو المسلمين ، فغزاهم فقتل منهم ، وأصاب من دمائهم وأموالهم كان قد قتل ، وقتلتم من لا يحل له ولا لكم قتله ، وأخذ وأخذتم من المال ما لا يحل له ولكم أخذه من أموال قوم مسلمين ، فنالكم من الله بذلك عنت . وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ بالله ورسوله ، فأنتم تطيعون رسول الله ، وتأتمون به فيقيكم الله بذلك من العنت ما لو لم تطيعوه وتتبعوه ، وكان يطيعكم لنا لكم وأصابكم . وقوله : وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ يقول : وحسن الإيمان في قلوبكم فآمنتم وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ بالله وَالْفُسُوقَ يعني الكذب ، وَالْعِصْيانَ يعني ركوب ما نهى الله عنه في خلاف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتضييع ما أمر الله به أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ يقول : هؤلاء الذين حبب الله إليهم الإيمان ، وزينه في قلوبهم ، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون السالكون طريق الحق . وقوله : فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً يقول : ولكن الله حبب إليكم الإيمان ، وأنعم عليكم هذه النعمة التي عدها فضلا منه ، وإحسانا ونعمة منه أنعمها عليكم وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يقول : والله ذو علم بالمحسن منكم من المسئ ، ومن هو لنعم الله وفضله أهل ، ومن هو لذلك غير أهل ، وحكمة في تدبيره خلقه ، وصرفه إياهم فيما شاء من قضائه . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ حتى بلغ لَعَنِتُّمْ هؤلاء أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم ، لو أطاعهم نبي الله في كثير من الأمر لعنتم ، فأنتم والله أسخف رأيا ، وأطيش عقولا ، اتهم رجل رأيه ، وانتصح كتاب الله ، فإن كتاب الله ثقة لمن أخذ به ، وانتهى إليه ، وإن ما سوى كتاب الله تغرير . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، قال : قال معمر ، تلا قتادة لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ قال : فأنتم أسخف رأيا وأطيش أحلاما ، فاتهم رجل رأيه ، وانتصح كتاب الله . وكذلك كما قلنا أيضا في تأويل قوله : وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ قالوا . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ قال : حببه إليهم وحسنه في قلوبهم . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً قالوا أيضا . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ قال : الكذب والعصيان ؛ قال : عصيان النبي صلى الله عليه وسلم أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ من أين كان هذا ؟ قال : فضل من الله ونعمة ؛ قال : والمنافقون سماهم الله أجمعين في القرآن الكاذبين ؛ قال : والفاسق : الكاذب في كتاب الله كله . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما . . . تَفِيءَ . . . الْمُقْسِطِينَ الجهاد يقول تعالى ذكره : وإن طائفتان من أهل الإيمان اقتتلوا ، فأصلحوا أيها المؤمنون بينهما بالدعاء إلى حكم كتاب الله ، والرضا بما فيه لهما وعليهما ، وذلك هو الإصلاح بينهما بالعدل . فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى يقول : فإن أبت إحدى هاتين الطائفتين الإجابة إلى حكم كتاب الله له ، وعليه وتعدت ما جعل الله عدلا بين خلقه ، وأجابت الأخرى منهما . فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي يقول : فقاتلوا التي تعتدي ، وتأبى الإجابة إلى حكم الله . حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ يقول : حتى ترجع إلى حكم الله الذي حكم في كتابه بين خلقه